SyntaxHighlighter

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

احتقار اللغة العربية من المبرمجين العرب



انتقلت تقنيات المعلومات من هامش المجتمعات العربية في داخل مؤسسات الأعمال وهواة الحاسب إلى قلب الثقافة اليومية ولكن لا يزل كثير من المتخصصين في جيتو مغلق ينظرون بفوقيه تصل للاحتقار للغة العربية ومن لا يتحدث الإنجليزية وانبهار يصل للتأليه لمن يرطن بالإنجليزية ولا سيما إذا طعمت بلكنة أمريكية. يثير ذلك في كثير من الغضب لعدم إدراك كم في هذا التوجه من احتقار للذات وهزيمة ثقافية مهينه والأهم كم الضرر الواقع على جودة البرمجيات المنتجة داخل المنطقة.
أشعر بغليان شديد كلما دخلت على موقع موجه بالأساس للمتحدثين بالعربية وتكون اللغة الأساسية هي الإنجليزية والأسوأ عدم وجود دعم للعربية من الأساس والمضحك المبكي وجود أخطاء لغوية و إملائية بسيطة تدل على عدم إجادة المطور للإنجليزية. ولكن عندما يأتي هذا التوجه من شباب واعد له رغبة صادقة في قيادة نهضة داخلية أستشعر بخطر شديد لعدم التنبه إلى كارثية التعامل مع اللغة العربية كلغة ثانية من منطلق مبدئي وأيضا من منطلق عملي.
عند ترجمة مصطلح mouse إلى فأرة مثلا فإن هناك حالة من السخرية من المصطلح تنتقل سريعا إلى الاستنتاج لعدم صلاحية اللغة العربية كلغة تقنية ولكن لا يتم الانتباه أن عند استخدام المصطلح العربي فإنه قد أثار مشاعر لدى المتلقي حتى لو كانت سلبية لاستدعائه تجارب وتاريخ ثقافي ومعرفي. ولكن عند استخدام لغة غريبة فإما يتم التعامل بحياد أو تبني تحيزات صاحب النص. لن أخوض كثيرا في ترجمة المصطلحات الدقيقة والتقنية البحتة فهذه خطوة ثانية تتلو احترام اللغة والإحساس بأهميتها كأساس للنهضة.
فاللغة ليست وسط محايد لنقل معلومات مصمتة لها نفس الأثر أيا كانت اللغة المستخدمة ولكنها محملة بتاريخ وثقافة وتجربة أصحاب اللغة فأذكر أني في بداية حياتي العملية كنت أقرأ مقالا عن تقنية معينة وكان الكاتب يضرب أمثلة بتجربته في مقهى ستاربكس أثار ذلك رغبة عندي في ريادة هذا المقهى وكنت أطلب بعض منتجاته من الخارج قبل افتتاحه في مصر. في مرة أخرى كنت أقرأ عن معمارية مقترحة للتأمين كانت مستلهمة من قلاع العصور الوسطى في أوروبا لم أستطع فهمها إلا عند مراجعة تاريخ هذه القلاع. فهنا بالرغم من أن الهدف كان تقنيا إلا أن اللغة كانت محملة بتجربة الكاتب التي انتقلت لي كمتلقي وإما لن أستطيع إدراك الفكرة كاملة أو استنبط تجربة الكاتب وأتأثر بموروثه الحضاري. المعضلة الأكبر تظهر عند الإنتاج فنظرا لأن التجربة والتاريخ الشخصي للمطور العربي تصبح في الخلفية يحد ذلك كثيرا من الحالة الإبداعية وتفقد مصدرا أساسيا للوحي وتصبح الأفكار إما نقل غربية أو تنويعات على هذه الأفكار. قد تنجح بعض هذه الأفكار إلا أنها لا يمكن أن تكون أساسا لنهضة شاملة تضعنا كمجتمع عربي في حالة ندية حضارية وتنقلنا لموقع قيادي مرة أخرى.
أضرب مثلا لذلك النمط الاقتصادي الذي يعتمد في الغرب على النمو والفائدة والاقتراض التي كان حتى وقت قريب ينظر لها بشكل سلبي في مجتمعاتنا والحل الاقتصادي عند الحاجة للاقتراض في المجتمع المصري حلول تكافلية في الأساس مثل فكرة الجمعية التي يتشارك فيها الأفراد بقسط معين ويتم دفع مجموع الأقساط في فترة معينة لفرد من الأفراد يتم التفاوض على ترتيبه. هذا النمط الاقتصادي يعتمد على الثقة بين الأفراد وقدرتهم على التفاوض فيما بينهم للوصول إلى حل قد يضر نسبيا بالبعض ولكن يتم تعويض ذلك في دورات مستقبلية أو تقديم الأكثر احتياجا. على الرغم من بساطة هذه الممارسة فإنها تعكس فلسفة عميقة عند احترامها واستنباطها يمكن لنا كمجتمع معلومات عربي تقديم حلول تغير شكل العالم.
هذا بافتراض أن المطور يجيد اللغة الإنجليزية ولكن ندرة المحتوى العربي تمنع الكثير ممن لهم قدرات عقلية متميزة من الدخول والإنتاج في هذا المجال فكم من قيادات تقنية المعلومات يتقن أكثر من لغة وكم منهم لم يكمل تعليمه الرسمي من الأساس. فمن منطلق إحصائي بحت عند توفير محتوى تقني متميز باللغة العربية يفتح ذلك الباب لعدد أكبر من المرشحين مما يرفع من احتمالية اكتشاف أفكار أكثر تميزا.
أرجو أن يبدي مجتمع المعلومات العربي احتراما أكبر للغته فإيماني الراسخ ألا نهضة تقنية حقيقة إلا باستنباط تاريخنا وثقافتنا للخروج بأفكار أصيلة تستلهم رؤية مختلفة للواقع. فعلى الرغم من انجازات الحضارة الغربية فإنها في رأيي فشلت في قيادة العالم فالنموذج الغربي المعتمد على النمو والترفيه والاستهلاك لا يمكن تعميمه فلا توجد موارد على الكرة الأرضية لتحقيق نفس المستوى من الرفاهية الغربية لجميع شعوب العالم. عند إدراك ذلك يمكننا الخروج بحلول لمشاكلنا ومشاكل العالم وتحويله لعالم أفضل ولكن لا بد من البداية باحترام لغتنا والتوقف عن التعامل معها كلغة ثانية.